عدم المساواة في الدخل تعني الاستقطاب… وهذا من وجهة نظر اجتماعية بحتة! فالفجوة بين الأغنياء والفقراء تمثل انقسامًا كبيرًا في تماسك النسيج الاجتماعي، مما يخرج لنا مجتمع منقسم على ذاته، في شكل معسكرين معاديين لبعضهم، ولديهم أولويات وخطط وأهداف مختلفة جذريًا، وبطبيعة الحال سيكون لديهم أيضًا منظومتين قيميتين مختلفتين تمامًا. هذين المعسكرين ينخرطان في صراع مستمر مع بعضهم البعض، وطبعًا هذا أمر غير صحي بالمرة لأي أمة.
عندما يغيب عن أفهامنا أن النظام الاقتصادي هو الذي يخلق هذا الاستقطاب (علما بأن الجهل بالاقتصاد شيء تم فرضه علينا عبر إلحاح يكاد يكون ديني)، فإننا سنبحث دائما عن وسائل أخرى لتفسير هذا الانقسام. وبدلا من نعترف بأن نراه أمامنا هو عبارة عن أشخاص يستفيدون من النظام وأشخاص هم ضحايا النظام، سنقول أن هذا الانقسام ناجم عن خصائص الأشخاص الواقعين في كل جانب منه. بمعنى أخر سنقول، على سبيل المثال، أشياء من قبل، “الأغنياء أكثر ذكاء وأكثر جدية في العمل، والفقراء أغبياء وأكثر كسلا!” أو لربما فسرنا هذه الفجوة بمعطيات عرقية أو إثنية، أو قد نشير إلى عدد كبير من القضايا الأخرى لشرح الأسباب التي أوصلت الأمور إلى ما هي عليه. وهذا الخطأ في التعاطي سيؤدي في النهاية إلى خلق متواليات من الاستقطاب، فتضرب الانقسامات في المجتمع، وتنتشر العداوات، ويتم إلقاء الاتهامات على جميع الاطراف.
ولكن، بطبيعة الحال، المشكلة تكمن في النظام نفسه.
الرأسمالية لديها خلل غير قابل للعلاج في نظامها الذي يخلق الأزمات بشكل مستمر، بل ودوري. فإن كنت قد قلت في أي وقت أن “الاقتصاد على وشك الانهيار”، بغض النظر عن الزمن الذي قلت فيه هذه العبارة، وبغض النظر عن الظروف التي كانت سائدة في هذا الزمن، فقد كنت في الغالب على حق. فالاقتصادات الرأسمالية دائما على وشك الانهيار، وجميع الاقتصاديون التقليديون يعرفون ذلك… كل ما هنالك هو أنهم يستخدمون كلمات مختلفة لقول نفس الشيء.
ونحن لا نتناقش حول ما إذا كانت هناك أزمة ستحدث أو لا، ولكننا نتناقش فقط حول كيفية التعامل مع هذه الأزمات عند حدوثها. والنقاش سينحصر أساسًا بين خيارين: إما تدخل الدولة في الاقتصاد، أو انسحاب الدولة من الاقتصاد. ولكن، كما ترون، فإن كلا الخيارين غير معنيين بإغلاق الصدع الذي حدث في المجتمع؛ ولكنهما يهدفان إلى الحفاظ على النظام الذي سبب الصدع… أي أنهما يهدفان للإبقاء على الاستقطاب.
في الولايات المتحدة، يملك 10٪ من السكان 75٪ من إجمالي الثروة في البلاد. وعدم المساواة في الدخل في أمريكا أكبر مما هي عليه في الهند، وهذا يعكس الاتجاه العالمي في الاستقطاب الاقتصادي. وقد ترى أنه من المنطقي ان هذا الأمر لا يمكن أن يستمر، ولكن هناك شيء واحد واضح جدًا، وهو أن المستفيدين من النظام لن يكونوا هم الساعون لإحداث التغيير. ومع ذلك، ما دمنا نحن، الأغلبية، لا نفهم أن النظام الاقتصادي في حد ذاته هو سبب هذا الاستقطاب، فسنظل نعزو ذلك إلى أسباب أخرى، وهذه سيطلق مجموعة من الدوامات تضاعف من الاستقطاب الذي سيبقى على الانقسامات بين بعضنا البعض، ويجعلنا غير قادرين على التماسك معًا بشكل يعيننا على تفكيك النظام.
#ألف_ومائتا_هلال
مقطع من كتاب “ألف ومائتا هلال” قريبًا بإذن الله.