… ومع ذلك لم أتحدث عن أوروبا، ولهذا سببان؛ القوة الأوروبية تعتبر تابعة في التسلسل الهرمي للنظام العالمي، وأوروبا في طريق هبوط. وهذا بالطبع لا يعني أن أوروبا بلا قيمة، أو أنها ستكون كذلك، ولكني أعتقد أنها، إلى حد كبير، لن تظل كائنة ككيان حتى العقود الأخيرة من السنوات الـ 100 المقبلة. فهي تكاد تكون غير موجود منذ الآن؛ مع التوتر الهائل بين شمال وجنوب أوروبا، وبين دول الوسط والدول الواقعة على الحدود الخارجية، فهذا من المرجح أن يؤدي إلى نزاعات مستقبلية، ثم التفكك المحتوم للاتحاد الأوروبي.
واحد من أهم مظاهر أوروبا في هيكل السلطة الدولية، إن لم يكن هو أهمها، هو دورها في حلف شمال الأطلسي؛ وسيظل هذا هو الحال، ومع ذلك هو لن يكون في حاجة إلى تماسك أعم بين الدول الأوروبية.
حلف شمال الأطلسي يعتبر بمثابة آلية تستخدمها للولايات المتحدة لتنظيم الأنشطة ونشر القوات المسلحة في أوروبا لتحقيق سعي القوة الأمريكية وراء مصالحها، لذلك، فبغض النظر عن مدى قدر انكسار أوروبا، فسيظل التزام كل دولة من دول حلف شمال الاطلسي ساريَ المفعول.
الدول القوية في أوروبا مثل؛ ألمانيا، والمملكة المتحدة، وفرنسا، تسيطر بالفعل على الاتحاد الأوروبي سياسيًا واقتصاديًا، وتملي الى حد كبير سياسة الاتحاد الأوروبي على الأعضاء الأضعف… وهذه ليست أفضل وصفة من أجل الوحدة المستدامة.
لقد صوتت المملكة المتحدة هذا العام لصالح الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، مما سيضع بريطانيا حتمًا وبشكل مباشر تحت النفوذ الأمريكي، وسيزيد من القوة النسبية لألمانيا في أوروبا، فضلًا عن زيادة عبء ألمانيا من المسؤولية، ولا سيما من الناحية المالية، من أجل الإبقاء على المشروع الأوروبي.
القوى العاملة الأصلية لأوروبا تشيخ، ومعدلات المواليد ليست كافية لتغذية هذا العجز. وهذا سيؤثر حتمًا على الإنتاجية الصناعية الأوروبية على مدى العقود القليلة القادمة. الطريقة الوحيدة المتاحة لأوروبا للحفاظ على أي قدر من النمو الاقتصادي ستكون من خلال الهجرة، ولكن هذا الأمر سيغير الطابع الثقافي والسياسي للقارة بشكل دائم. وفي الوقت نفسيه سيتسبب في إحداث فتنة داخلية مع صعود شعبية عناصر القومية وكراهية الأجانب. فصعود مثل هذه الأنواع من المشاعر السياسية لا يمكن أن يؤدي إلا إلى تقويض الاتحاد الأوروبي ككيان موحد. وبينما ستعلو أصوات الاحزاب اليمينية المحلية، فإن مخاوفهم ستشكل تحديًا خطيرًا أمام قدرة البرلمان الأوروبي على إجبار الدول الأعضاء على الالتزام بسياسة الاتحاد الأوروبي الشاملة، وهذا بحكم التعريف، سيضع مطالب الدول الفردية في مرتبة أدنى. كل هذه العوامل، في رأيي، ستضع الاتحاد الأوروبي على مسار لا رجعة فيه نحو التفكك.
#ألف_ومائتا_هلال
مقطع من كتاب “ألف ومائتا هلال” قريبًا بإذن الله.