لا شك أن السجالات الدينية والأخلاقية الداحضة للإرهاب تعتبر غير ذات فاعلية، فكل من يعتقدون في فاعلية الإرهاب قد وضعوا بالفعل تبريراتهم الخاصة بهذا الاعتقاد ومثل هذه التبريرات في العادة تكون غير قابلة للدحض من قبل الحجج المقابلة.
فما نحن بصدده في حقيقة الأمر ما هو إلا مظالم مشروعة يتم التعبير عنها أو محاولات لرفع الضرر من خلال وسائل غير مشروعة، ولكن لا توجد طريقة نستطيع بها أن نقنع أي شخص أن وسائله غير مشروعة إذا كان هو نفسه قد أسس منطقًا فلسفيًا (الذي غالبا يكون مغروسًا في قناعته بأن مظلمته مشروعة)، وهذا الأمر يعينه على الوصول إلى النقطة التي تجعله ينادي بالعمل الإرهابي أو ينفذه بنفسه.
قامت المخابرات الأمريكية بإجراء دراسة شاملة منذ عدة سنوات وخرجت هذه الدراسة (عكس توقعات الرأي السائد) باستنتاج مفاده أن الإرهابيين دائما عقلانيين وأذكياء وليست لديهم أي أعراض للمرض النفسي: أي أنهم ليسوا مجانين، وبالإضافة إلى هذا فلا يمكن أبدا وسمهم بأنهم معدومين من الأخلاق أو معدومين من الحس الأخلاقي ولكنهم في الغالب يملكون قواعد أخلاقية عميقة وحس عالي بالعدالة، باختصار قواعدهم الأخلاقية هذه تعزز من عقلانيتهم، فهم يتصرفون بهذا الشكل بدافع من حسهم بالمسئولية تجاه قضاياهم من أجل رفع المظالم ومن أجل الدفاع عن إيذائهم أو إيذاء غيرهم من الناس، سواء كان هذا الإيذاء حقيقي أو فقط متصور.
النقطة هنا هي أنه لا يمكن أن نتصور أننا نستطيع النفاذ إليهم من خلال الجدال الشهير بأن الإرهاب عمل خاطئ ولكن يمكننا مع هذا أن نقنعهم بالعدول عن مسارهم إذا أخبرناهم (بدقة) أن الإرهاب غير ذا فاعلية.
فالهدف الواضح الذي عبر عنه أسامة بن لادن لهجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 كان هو “تدمير الاقتصاد الأمريكي وذلك من خلال إحداث صدمة على المدى القصير وعملية طويلة المدى عبارة عن نضوب تدريجي عن طريق جر الولايات المتحدة إلى حرب مع أفغانستان”، فالقاعدة تنبأت أن تجربة روسيا في أفغانستان من الممكن أن تُستَنسَخ مع الولايات المتحدة وأن الولايات المتحدة من الممكن أن تسقط تماما مثلها مثل الاتحاد السوفيتي، ولكن هذه الاستراتيجية أثبتت فشلها على جميع النواحي.
فبينما كانت هناك فعلا صدمة على المدى القصير أصابت الاقتصاد الأمريكي بدأ من هجمات الحادي عشر من سبتمبر إلا أن هذا الأمر لم يقترب حتى من تدمير الاقتصاد الأمريكي، فقد بلغت التكلفة المباشرة للخسائر وإعادة البناء مع يقارب 23 مليار دولار، وبلغت الخسائر الناجمة عن توقف العمل ما يقارب 12 مليار دولار، أما الأثر الاقتصادي الكلي للهجمات فقد قدر بما بين 50 إلى 100 مليار دولار أمريكي، وهذه الأرقام لا تكاد تصل إلى 1% من إجمالي الناتج المحلي الأمريكي، أضف إلى هذا أن تقريبًا جميع الشركات في منطقة برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك كانت قادرة على نقل مقراتها واستئناف علمها في غضون فترة قصيرة جدا، أما بالنسبة للتأثير طويل المدى ونظرية أن المغامرات العسكرية ستؤدي إلى إفلاس الاقتصاد الأمريكي تدريجيًا فيبدوا أن هذا الزعم قائم على جهل مذهل بالكيفية التي يعمل بها الاقتصاد، فالحرب هي المحرك للاقتصاد الأمريكي الحديث، فالإنتاج الحربي هو صمام الأمان للنظام الاقتصادي للولايات المتحدة وليس هناك قطاع صناعي واحد في أمريكا لا يقوم على إنفاق البنتاغون.
فبعد أكثر من عقد من الزمان وبعد أن تم وضع أمثلة أخرى عديدة لنظرية الإرهاب قيد التنفيذ يجب على أي تحليل موضوعي أن يخلص إلى أن هذه الاستراتيجية لا تحقق النتائج المرجوة، فحقيقي أن الاقتصاد الأمريكي عانى الركود ولكن هذا شيء ممنهج ومتوقع وليس له صلة بالإرهاب، فحقيقة الأمر هي أن الإنفاق على الحرب ضد الإرهاب كان مصدرًا هامًا للانتعاش الاقتصادي، وأن هذه الاستراتيجية فشلت بشكل كبير في تخفيف السياسة الأمريكية تجاه العالم الإسلامي، فلم يتراجع العدوان العسكري بل تضاعف بدلا من ذلك، فها نحن نرى العراق في حالة خراب وسوريا في حالة من الفوضى ومعاناة الفلسطينيين في تزايد، وفي حين تمت الإطاحة بعدد قليل من الحكام المستبدين الفرادى إلا أنه قد تم استبدالهم إما عن طريق من هم أقوى (كما في مصر) أو عن طريق فتنة كارثية (كما في اليمن وليبيا).
الخلاصة لابد أن تكون واضحة في الأذهان: المظالم لم يتم رفعها ولكنها تزايدت بشكل مضطرد فحتى إذا لم يكن لديك أي مخاوف أخلاقية أو دينية من الإرهاب إلا أنه يجب على الأقل أن تقر بحقيقة دامغة ألا وهي كارثيته من الناحية الاستراتيجية.