بقدر متابعتي الحثيثة للنشاط الاستثماري في مصر، إلا أنني، حتى أنا، صدمت عندما علمت أن مصر قد قفزت إلى المركز الخامس عالميا كوجهة للاستثمار الأجنبي المباشر المعروف بـ”جرين فيلد – Greenfield” وهو الاستثمار في مشاريع من الصفر يتطلب تنفيذها نفقات ضخمة. وهذا ليس ضربًا من خيال الصحافة المصرية، ولكنه من واقع التقرير السنوي المعد عن الاستثمار من قبل لجنة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد).
هذا النوع من الاستثمار، يعني أن شركة أجنبية تقوم ببناء مرافقها الخاصة في البلاد من الألف إلى الياء، بدلا من الاندماج مع شركة محلية موجودة أو شراءها، أو الدخول في شراكة معها. ويبدو أن هذا هو أخطر أشكال الاستثمار الأجنبي المباشر، لأنه لا يترك تقريبا أي فائدة تعود على الأعمال التجارية المحلية: فلا يتم نقل أي تكنولوجيا، ولا توجد أي شراكات، ويجد المنتجين المحليين أنفسهم في منافسة مباشرة مع هذه الشركات الضخمة ومرافقها الجديدة تمامًا.
لقد قلت منذ شهور أن أزمة احتياطي العملات الأجنبية تم تلفيقها وأن هذه الضجة حول المستثمرين الأجانب الفارين من مصر غير دقيقة، وأنه قد تم المبالغة في هذه الأزمة فقط لخلق حالة من الذعر ولإجبار مصر إلى الاستسلام لمطالب صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
الشركات متعددة الجنسيات تغزو وتقهر البلاد بوتيرة مثيرة للقلق، وكل هذا يجعل من مهم جدا بالنسبة لهم أن تقوم مصر بإخضاع سياستها الاقتصادية تمامًا لمصالحهم.