المعتقدات، إلى حد ما، هي التي يجب أن توجه أهدافكم في كيفية التفاعل مع الأحداث، بحيث يمكنكم عرض هذه الأهداف من خلال تفاعلاتكم. ومع ذلك، فإن المعتقدات لا يجب أن تكون هي العدسة التي من خلالها تفسرون الواقع. وأعتقد أن هذا هو مكمن الخطأ لدى الكثيرين منا. يمكنك أن تكون شخص تقوده المُثُل بقدر ما تريد، ولكن يجب عليك في النهاية أن ترتبط بالعالم الحقيقي.
لقد رأيت عددا من المنشورات التي تقلد بعضها البعض وكأنها موضة، وكلها تدور حول إدانة تركيا لإرسالها مساعدة لإخماد الحرائق في اسرائيل. وعندما أرى هذه الأشياء، أكاد أرى لسان حالها ناشرها يقوم: “أنا ليس لدي أي فهم بالسياسة العالمية الحقيقية!”. إن كانت شؤون أمتنا في أيدي هؤلاء الناس من حسنو النية والجهلاء، فبصراحة، أنا أشك أن دين الإسلام نفسه كان سيصمد أكثر من عقد من الزمان. ولكنها رحمة الله أن هؤلاء الناس لا يبلغون السلطة أبدا.
السياسة نادرًا ما تكون معركة صفرية! يجب أن تكون هناك توازنات للعلاقات، كما يجب بناء رأس مال سياسي ونفوذ، ويجب أن تمسك في يديك ما يشبه “الكمبيالات” على كل من الأصدقاء والمنافسين، لكي تقوم بتحسين موقفك التفاوضي، وهلم جرا. هذه هي الطريقة التي تصنع القوة اللازمة لتحقيق أهداف معتقداتنا. وهي مثل مفهوم دائرة الاهتمام ودائرة التأثير: فدائرة اهتمامك دائما ما تكون أكبر من مجال تأثيرك. ولكن الشخص المسؤول والجاد (أو الدولة) سيركز على تطوير دائرة نفوذه بوسائل عملية من شأنها في نهاية المطاف أن تمكنه من معالجة القضايا التي تقع في نطاق دائرة اهتمامه. نعم، قد يتطلب الأمر أن تفعل أشياء لا تحبها، وقد تضطر لتقديم تنازلات آنية من أجل تطوير القوة التي ستمكنك من المطالبة أو الإملاء في وقت لاحق. ولكن هذا ما نسميه “الحكمة”.
كل من يحتفلون بالحرائق لا شك سيلطمون وجوههم عندما تستخدم اسرائيل هذه النيران كذريعة لبناء المزيد من المستوطنات. أما تركيا، فهي تقوم ببناء رأس مال سياسي من المحتمل أن يؤثر على هذا القرار، ويمكنها من صد أي مناورات أخرى قد يفكر الإسرائيليين فيها في المستقبل.
هذه هي الطريقة التي تعمل بها الجغرافيا السياسية في الحياة الواقعية.