في الولايات المتحدة كان الحزب الديمقراطي دائما المدافع التقليدي عن العمال والمزارعين والفقراء. وكانوا دائما قادرين على الحصول على الأصوات الانتخابية بناء على هذا التصور وأن الحزب الجمهوري سيكون أسوأ منهم عند عامة الناس. الشيء نفسه ينطبق على حزب العمال في بريطانيا، وغيرها من الأحزاب السياسية من وسط اليسار في جميع أنحاء أوروبا.
مع ذلك، على مدى السنوات القليلة الماضية تغيرت هذه الصورة في العقل الجمعي، فقد انتقل الحزب الديمقراطي وحزب العمال وغيرهما لدعم جانب البيزنس. جانب أصحاب العمل بدلا من العمال. فلم يعد أحد يصدقهم بعد الآن، وكيف يصدقونهم؟ فقد كانت سياساتهم كارثية على الطبقات الدنيا والمتوسطة، وجعلوا الحياة أصعب على المواطن العادي.
هذا هو الجزء الأكبر من تفسير صعود ترامب، والفرنسي لوبان، والأحزاب اليمينية المتطرفة في جميع أنحاء الغرب. فالأحزاب التي كان من المفترض أن تهتم بالناس تخلت عنهم، ونفذت سياسات أضرت بهم. لذا تخلى الناس بدورهم عن تلك اﻷحزاب. ولم يعد يمكن القول بصدق “هذا الحزب هو أفضل الموجودين”.
للأسف أخشى أن الشيء نفسه يمكن أن يقال عن الاسلاميين. من ناحية، فلديكم الإخوان الذين يتبنون السوق الحرة الرأسمالية والنيوليبرالية وهكذا… وهي سياسات تضر مقوماتهم. ومن ناحية أخرى لديك الجهاديين ببرنامجهم الذي يدور حول “تدمير كل شيء وإقامة دولة إسلامية فوق الانقاض” … وهو أيضا برنامج يضر مقومات الإسلام السياسي ولكن بطريقة أكثر فجاجة وكارثية.
إذا كانت دول الخليج ذكية بما يكفي لاعتقدنا أنها تمول الجهاديين على وجه التحديد للتشكيك في مفهوم الإسلام. لأنه -سواء كان ذلك عن قصد أم لا – فهذه هي النتيجة. فلن ينظر مواطن عاقل من قطر أو الكويت أو السعودية إلى المناطق “المحررة” في سوريا، ويقول ” يا إلهى كم هذا عظيم.. أريد أن أعيش في مكان كهذا!” لا، فهي تعاني العنف والتقسيم والتطرف، وهناك الفساد المستشري والظلم، وكما أخبرني أحد المجاهدين “يتم تطبيق الشريعة فقط على الضعفاء”.
تماما كما أن الغربيون يتحولون بشكل جماعي بعيدا عن الأحزاب التقليدية التي خدمت مصالحهم ويقبلون أحزاب غير ديمقراطية في الأساس ذات قيادة سلطوية (نقيض ما يفترض أن تؤمن به دولهم)؛ فكذلك سوف نرى المسلمين يبتعدون عن الاسلاميين الذين سيعرضون عنهم إما بوصفهم خونة أو مجانين، وسوف يتبنوا العلمانية (وهي نقيض ما يؤمنون به)، وذلك ببساطة لأنه لا توجد بدائل إسلامية عقلانية وذات مصداقية.