لا يوجد شيء ملزم بالنسبة لنا فيم يتعلق بالنماذج السياسية التي اعتمدها الصحابة بعد وفاة النبي ﷺ. فقد نظموا السلطة وفقا لما حسبوه صوابا في هذا الزمان والمكان، ولم تكن مسألة وحي إلهي. وسيكون من الخطأ أن نفترض أن اعتماد الصحابة أو الأجيال الأولى للإسلام لنموذج معين من الحكومة، يجعل هذا النموذج هو النموذج الإسلامي، وأن أي نهج آخر يعتبر بدعة، فهذا شيء عجيب حقا. فليس لدينا قالب مصبوب عن كيفية اختيار الحاكم، أو الكيفية التي ينبغي أن تشكل بها الحكومة أو تدار. فقد سعوا إلى اعتماد النهج الأفضل الذي يمكن من خلاله أن يدعموا الشريعة بأفضل شكل ويخدمون مصالح المسلمين، وهذه كانت منهجيتهم، ويجب أن تكون منهجيتنا نحن أيضا. فالزمان والمكان، والثقافة، والظروف التي تم اتخاذ هذه القرارات فيها تختلف عما لدينا اليوم بأكثر من طريقة وسيصعب حصرها كلها، ويترتب على ذلك أن قراراتنا ستكون مختلفة إن كنا فعلا سنتبنى منهجيتهم. فالقوانين الصريحة والمطلقة ثابتة ولا تتغير، أما نظام تنفيذها، فهو غير ثابت على الإطلاق.
لا يوجد أي سبب إسلامي على الإطلاق يمنع الشعوب أن يكون لها رأي في السياسات التي تؤثر على حياتها، كما لا يوجد أي سبب إسلامي يمنع الشعوب من اختيار صناع سياستها. وكما قلت مرات عديدة، فعمل الحكومة ليس هو إعادة اختراع عجلة الأسس القانونية للمجتمع كل حين وأخر. فبمجرد وضع القانون الأساسي، كدستور الدولة مثلا، أو في حالة وجود حكومة إسلامية، أي الشريعة، فإن الحكومة تتعامل ببساطة مع القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في إطار تلك القوانين، بغض النظر عمن ينتخب أو من يترك منصبه. فالأمر ليس كما لم أننا في كل مرة يتم فيها اجراء انتخابات يجب أن نقوم بتعليق دستور البلاد ثم تأتي إدارة جديدة تعيد كتابة الإطار القانوني للمجتمع.
انظروا لأي قضية في الولايات المتحدة، على سبيل المثال الجدل حول حيازة الاسلحة النارية. الدستور الأمريكي يضمن الحق في امتلاك السلاح، وبغض النظر عما قد يرغبون في سنه من قوانين تنظم حيازة الاسلحة النارية، فالنشطاء المناهضين للسلاح لن يكون في إمكانهم أبدا ممارسة الضغوط لتحويل أمر امتلاك الأسلحة إلى أمر غير قانوني، لأن هذا سيكون غير دستوري. فلا يمكن فرض أي قانون يخالف القوانين الأساسية للبلاد. والدستور الأمريكي مدرج فيه أحكام لتغيير الدستور، ولكن لا يوجد ما يلزم الدستور بأن يحتوي مثل هذه الأحكام؛ وبالتأكيد لا يوجد سبب يجعل هذه الأحكام غير محدودة النطاق إن تم تضمينها. على سبيل المثال، يمكن أن يسمح بالتغييرات في الدستور طالما أنها لم تقوض أو تنفي سيادة الشريعة.
علينا أن نتجاوز هذه الفكرة المثيرة للسخرية بأن الآليات الديمقراطية تتعارض مع الإسلام بطريقة أو بأخرى، فالعملية الديمقراطية هي أفضل فرصة لنا للوصول إلى حكومة ملتزمة بالإسلام فعلا على عكس حكومات اليوم، وهي أفضل فرصة لدينا لمواجهة الاستعمارية والنفوذ الإمبريالي من الشركات متعددة الجنسيات والمؤسسات المالية. لقد ظل الغرب يعملون على مدى عقود للقضاء على فرصة الديمقراطية في بلداننا لا لشيء إلا لأنهم يعرفون أن هذا من شأنه أن يجعلنا مستقلين، وأحرار، وغير تابعين لهم. ثم نجد اليوم من الإسلاميين من يقولون لنا أن الديمقراطية هي الكفر، حتى لا نفكر في مجرد الحق في المشاركة في صنع السياسات!!! ولكن هذه خدعة كبيرة نلعبها على أنفسنا.
نحن بحاجة ماسة لإظهار زيف هذه الحجة العارية تماما عن الحقيقة.
#عن_الديمقراطية
#on_democracy