اختلف العلماء حول كيفية تحديد ما إذا كانت الأرض دار كفر أو دار إسلام، وظهر من هنا موقفين أساسيين هما أن الأرض تكون دار إسلام عندما تكون السلطة السياسية في أيدي مسلمين، وتكون القوانين المسنونة والواضحة في المجتمع قوانين إسلامية؛ أي أنها تكون دار إسلام طالما أن المسلمين متواجدين فيها، وأنها آمنة لممارسة شعائرهم الدينية في سلام وأمن.
ورأي الأغلبية، وهو الأقوى، أن يتم التحديد على أساس سن ووضوح شرائع الإسلام. أما عن درجة تنفيذ هذه القوانين، وعدد القوانين التي يتم سنها، حتى يتم اعتبار الأرض دار إسلام، فهذه قضية مختلفة. رغم ما قد يظنه العديد من عوام الناس، فليست كل القوانين على نفس القدر من الأهمية في تحديد طبيعة الحكومة والمجتمع، سواء كانت إسلامية أو غير ذلك.
أما عن تطبيق (((كل وجميع))) قوانين الإسلام صراحة وبشكل واضح وجلي، فهذا لم يحدث في تاريخنا إلا لمدة حوالي 40 عاما (زمن رسول الله ﷺ ثم الخلفاء الراشدين)؛ وبعد ذلك صار لدينا 1400 سنوات من التطبيق الجزئي بدرجات متفاوتة. وصراحة، هذا هو ما لدينا اليوم. ويرى جمهور العلماء أن أهم قانون يحدد طبيعة الحكومة أو المجتمع هو قانون “إقامة الصلاة”، فإذا كانت كل جوانب الشريعة الإسلامية متواجدة، ولكن يتم منع الصلاة، فبطبيعة الحال، تكون الحكومة كافرة. وبالمثل، إذا كان يسمح بأقامة الصلاة، ولكن الجوانب الأخرى من الشريعة غير موجودة، فالحكومة لا تفقد تصنيفها كإسلامية، على الرغم من ظلمها وإثمها (ما لم يكن غياب هذه الجوانب بسبب أن الحكومة تعلن صراحة كفرها بها، أو أنها تعلن أن القوانين الأخرى تتفوق عليها).
في معظم بلداننا اليوم، نجد أن هذا هو المحقق، فبعض شرائع الإسلام موجودة، وبعض الموجود غير إسلامي، كما كان الحال عبر تاريخنا كله تقريبا. ونعم، أنا أعتقد أن هذا سيستمر حتى ظهور المهدي، ولا أتفق مع فكرة أننا سنتمكن من اقامة دولة إسلامية طوباوية وعادلة بشكل مطلق. ما يمكننا القيام به، وما يجب أن نقوم به، وما كان يفعله المسلمين الأتقياء دائما، هو النضال من أجل جعل الأمور أفضل. وستكون هناك فترات تتميز بقدر أكبر من العدالة والصلاح، وفترات نعاني فيها من الظلم والظالمين. وسيكون هناك تقدم وانتكاسات… فكل هذا هو واقع الحياة.
ومن الضروري، في رأيي، أن نتخلى عن وهم أننا سنتمكن من اقامة دولة مثالية من التقوى الإسلامية والخير، لأنه وبصراحة، هذا السعي من المرجح أنه سيؤدي إلى كوارث ومعاناة هائلة. فسندمر أوطاننا من أجل حلم بناء قصورنا على الأنقاض، ولكن ما سيحدث في الواقع هو أننا سنعيش في هذه الأنقاض. ما يتعين علينا القيام به هو النضال بما لدينا، والمحاولة بكل وسيلة ممكنة لتحسين حكوماتنا، ومتابعة الإصلاحات السياسية الإسلامية، وهلم جرا. حقيقي أن في معظم بلداننا، سيتم حظر طرق الإصلاح، ولكن هذا سيعني أنه علينا أن نكون أكثر إبداعا، وأكثر حيلة، وطبعا أكثر صبرا، في سعينا لتحقيق حكومات أفضل وأكثر إسلامية.
#حكومة_إسلامية_حقيقية
#الخلافة