يمكن القول بأن الشركات الكبرى تتمتع بسلطة أكبر من الحكومات، وهذا من حيث التأثير فقط، فالتأثير الاجتماعي هائل، وسياسات مثل النيوليبرالية والتقشف تضاعف من هذا التأثير. فمثلا واحدة من القضايا الرئيسية في أي حملة انتخابية تكون دائما البطالة، والمرشحون لمنصب سياسي دائما يعدون بخلق فرص عمل، وكل سياسي على الساحة يزعم كل ربع حول أنه تمكن من خلق عدد ××× من الوظائف الجديدة، وهلم جرا.
وبطبيعة الحال، فإن الحكومات لا تخلق فرص عمل (إلا إذا كنا نتحدث عن القطاع العام)، ولكن مع النيوليبرالية والتقشف، يتم هلهلة وتفتيت القطاع العام متى نظرت حولك في أي موضع.
لا… الشركات تخلق فرص العمل، وتخلق أيضا البطالة، فالشركات تقرر ما هي أجور العمال، مما يعني أنها هي التي تقرر مستوى معيشتهم، وهي التي تقرر سعر السلع والخدمات، مما يعني أنها تقرر تكلفة معيشتهم، وهي أيضا تقرر أين سيستثمرون، وأين سيعملون، وأين سيقومون ببناء مصنع أو مكتب أو أي مرفق آخر؛ وكل هذه الخيارات لها أثرا ملموسا وقابلا للقياس على تنمية تلك المنطقة، وعلى حياة من يعيشون فيها.
عندما تتحدث عن كبرى الشركات متعددة الجنسيات، فالتكتلات الضخمة للشركات التي تملك العشرات من الشركات التابعة، تتحول من الناحية العملية، إلى نظام اقتصادي خاص بها، وهي نظم اقتصادية قائدة. فالقرارات المتخذة في مجالس إدارة الشركات تحدد ما إذا كان سيصبح للناس داخل مجال نفوذهم سبل كسب للعيش، وكم المال الذي سيكسبونه وينفقونه، والسلع والخدمات التي ستكون متاحة لهم، ما إذا كان سيتم تطوير أو هدم البنية التحتية في منطقتهم، ما إذا كان سيصبح في مقدورهم إرسال أطفالهم إلى المدرسة أو لا، ونوع المدارس التي يستطيعون إرسال أبنائهم إليها، وما إلى ذلك… ويمكن أن يكون لقراراتهم أثر عابر للأجيال، وأنا هنا لم أتحدث حتى بعد عن الأثر البيئي لهذه القرارات، وما يمكن أن يعنيه ذلك بالنسبة للشعوب.