هناك جدال حول أن البشر قد تقدموا و تطوروا لدرجة استغناءهم التام عن الدين. و هذا هو منطق الإلحاد الأساسي, بالاضافة لإعجابهم الشخصي بذواتهم لذكائهم و تطورهم لدرجة عدم احتياجهم “لأسطورة” الدين حتي يكونوا ذوي أخلاق كريمة وأخلاقيات رفيعة. “لقد فات أوان أن تستمر البشرية في الإيمان بدين”
.
أرى تلك فكرة مثيرة حيث أن العكس تماما هو الصحيح. فقد فات الأوان تماما في تاريخ البشرية لمناقشة فكرة الإلحاد وأعني ذلك حرفيا
ببساطة لأنه لا يمكن أن تجادل ان الناس يستطيعون ان يكونوا الآن ذوي أخلاق كريمة وأخلاقيات رفيعة دون وجود اعتقاد ديني لأن مفهوم الأخلاق والأخلاقيات اصلا قد ورثت ودمجت في المجتمع اساسا من المعتقد الديني نفسه. لا يمكن ان يكون هناك شخص واحد “لا ديني” يتحلي بمكارم الاخلاق بدون وجود خلفية دينية. هذا مستحيل حرفيا. إن المجتمع بأسره الذي تطوروا فيه، بغض النظر عن كون المجتمع الذي ينتمون إليه يقوم على مفاهيم الحق والخطأ المستمدة من الدين. إن القول بأن البشر يمكن أن يتطوروا ليكونوا من ذوي الاخلاقيات الكريمة, في غياب أي معتقد أو تأثير ديني، هو قول سخيف وهناك استحالة قي إثباته.
هل يمكن للشخص أن يتحلي بالاخلاق الكريمة دون أن يؤمن شخصيا بالله؟ بالتأكيد، ولكن هذا سؤال مختلف
فالسؤال هنا “هل يمكن للشخص أن يتصرف كشخص ذا دين، وأن يمتلك قيما دينية، ولكن يرفض الإطار الديني الذي يستمد منه هذا السلوك وهذه القيم؟” الجواب على ذلك هو “نعم”، ولكن هل يمكن لهذا الشخص أن يدعي أن هذا السلوك و هذه القيم قد استمدها بشكل مستقل نتيجة لمداولاتها العقلانية الخاصة؟ هل وضع تعريفه الخاص للسلوك الجيد والقيم الأخلاقية في مضخة مثلا، و انه فقط من قبيل المصادفة أنها تعكس المبادئ الأخلاقية للمؤمنين بالدين؟ بالطبع لا
يماثل ذلك تماما ان يكون شخص ما قد تعلم عزف البيانو فيقول أنه ليس فقط علم نفسه بنفسه كيفية العزف، ولكن أنه في الواقع قد اخترع آلة البيانو. حسنا ربما. ولكن ليس هناك طريقة ممكنة للتأكد من ذلك، لأن آلة البيانو كانت قد اخترعت بالفعل و انت قد تعلمت بالفعل كيفية العزف عليها؛ لذلك هو ببساطة من قبيل الهزل افتراض أن تكون قد وصلت إلى نقطة ما بنفسك بينما انت قد جلبت لها بالفعل بطريقة ما و ليس بنفسك.
والفكرة القائلة بأن الناس قد أجبروا علي الإيمان بالدين هي أيضا فكرة خرقاء مثيرة للسخرية. قد يكون الناس قد اجبروا علي الاعتقاد بمذاهب محددة، ولكن الاجبار علي التوحيد نفسه؟ بالطبع لا. بل إن الإلحاد هو الذي يحتاج دائما لأن يفرض جبرا على الناس, لكي يستطيع الالحاد ان يسود المجتمع بشكل أو بآخر.
حتي الأطفال الصغار، بمجرد أن يكونوا قادرين على التعبير عن هذا المفهوم، ودون أي توجيه من أباءهم ، يؤمنون بالله بشكل تلقاءي، وليس عن طريق الإجبار.
التاريخ الكامل للبشرية هو الايمان، و ببساطة ليس هناك أي دليل لدعم حجة أنه عبر عشرات الآلاف من السنين قد قام شخص ما باختراع مفهوم “الله” هكذا من لاشيئ، وأننا بالتالي قد تمسكنا به دون قصد منذ ذلك الحين.
التاريخ نفسه يرفض صراحة الافتراض القائل بأن البشر كان يمكن أن يكونوا قد تطوروا دون إيمان بالله، لأنه من الواضح تماما أننا لم نتطور بدونه