على مدى الأسابيع القليلة الماضية كنت أستمع إلى سلسلة من المحاضرات حول اتساق وتماسك “النظم” القرآني. وخﻻل هذه المحاضرات كان المحاضر يربط الأنماط اللغوية المتشابهة في الآيات والسور ببعضها، ويزعم أنه اكتشف أنماط لغوية في القرآن يمكن أن تساعد في تعميق فهم القارئ وتدبره للقرآن، كما أنها تثبت التقارب والاتساق حينما يبدو ظاهريا أن هناك تغييرات مفاجئة في النص، وهكذا. ويبدو أنه يرمي إلى أن هذا النهج يتفوق على التفسير التقليدي.
حسنا… والآن إليكم استنتاجي، أعتقد أن هذا التخصص زائف، مثله في ذلك مثل الكثير من النظريات الأكاديمية الحديثة التي تدور حول كيفية التعامل مع الأدب. بالنسبة لي، هذه مجرد لعبة ليس أكثر، ومع تقدم سلسلة المحاضرات، اتضح لي هذا الأمر أكثر وأكثر، فالمحاضر لم يكن “يكتشف” أية أنماط بقدر ما كان يقوم “بإسقاطها” على النص.
وهذه اللعبة لها غرضان على الأقل: الأول، إشغال الطﻻب بما يعتبر في الواقع إلهاء عن القرآن – مثل البحث عن الأشجار بدﻻ من النظر والتأمل في الغابة، ولله المثل الأعلى. والثاني، أنها تخدم الغرض التقليدي لكل التخصصات الزائفة الأخرى في الأوساط الأكاديمية، فانت عندما تنشئ تخصصًا جديدًا، تنصب نفسك تلقائيًا خبيرًا يتحكم في هذا التخصص. فقط تخيل معي الطلاب قادمين إلى هذا المحاضر ومعهم “أنماط” مختلفة اكتشفوها، وهم يأملون في الحصول على موافقته على استخدامهم لطريقته، ومن ثم يقوم هو بتحقيق صحة نتائجهم أو إبطالها… وهكذا تُدَشَن له السلطة الفورية!
وفي هذه الأثناء يصبح التعامل مع القرآن وكأنه لعبة الصور المتقطعة “puzzle” بدلاً من كونه رسالة إرشادية لهداية العالمين.