دعوني أتخيل معكم هذا المشهد: أنت تتجول في حيك السكني في مدينتك وفي بلدك، وأنت حزين وغاضب من الفساد الأخلاقي الذي تراه. ترى الذنوب ترتكب علنا، وعصيان الله يستهان به. ترى من يطلقون على أنفسهم مسلمين، لكنهم مسلمون فقط بالاسم، وليس في الممارسة أو الاعتقاد. كنت ترغب في أن تهاجر إلى مكان أكثر صلاحًا، وتتمنى فقط لو تعرف أين يوجد هذا المكان.
حسناً، إن كنت أنت هذا الشخص فيؤسفني أن أخبرك أن هذا ليس هو الإيمان. الشعور بهذا الشكل لا يجعلك أكثر ورعًا وأكثر صلاحًا وأكثر رشادًا، بل على العكس تماما. في الواقع، هذه ليست مشاعر دينية، ولكنه عَرَض لمرض يطلق عليه الوهن الأيديولوجي… وﻻ، هذا ليس مظهراً من مظاهر الولاء والبراء، لأنه ينطوي على شعور بالاحتقار لبشر يسيئون حتما فهم الدين بشكل جذري. لم يأت الدين ليجعلنا مثاليين، ولكنه جاء لمساعدتنا في التغلب على عيوبنا. وإذا كنا بطريقة ما نتمتع بالكمال، فكان سيتم استبدالنا بآخرين غير مثاليين، يذنبون ويطلبون المغفرة من الله، فالدين لا يسعى إلى علاجنا من إنسانيتنا، بل يساعدنا على أن نعيش إنسانيتنا بشكل سليم.
إذا كنت تعتقد بطريقة ما أن الإسلام يفترض أن يحقق لنا المدينة الفاضلة، فيؤسفني أن أخبرك أنك تمثل خطر على نفسك وعلى الآخرين. لا يوجد مفهوم أكثر ضد الإنسان من مفهوم المدينة الفاضلة، ولن يوجد هناك ما يفسد بشكل حاسم الأصل الإلهي للإسلام أكثر من لو أثبتنا أن الإسلام يسعى لتأسيس المدينة الفاضلة وجعل البشر مثاليين، فوحدهم البشر هم القادرين على تخيل شيئًا غبيًا بهذا الشكل. ﻻ… الخالق يعرف جيدا أننا معقدون ومتناقضون جدًا لوجود مثل هذا الشيء الوهمي المسمي بالمدينة الفاضلة ولو من بعيد. وخالقنا نفسه ﻻ يتوقع منا هذا الأمر، لذلك إذا وجدت نفسك تتوقعه من الآخرين فهذا بالتأكيد (((ليس هو))) ما عليك أن تفعله للدين.