عندما تعتنق مبدأ أن كل ما عرَّفه القرآن على أنه “حرام” شرعًا يجب أن تكون له عقوبة محددة، فأنت تضيف إلى الشريعة ما ليس في الشريعة. وبمجرد أن تبدأ في السير على هذا الطريق فستبدأ في تمديد منطقك الخاص لتضمين عقوبات تعوض فشلك في القيام بما ينص عليه القرآن باعتباره واجبًا، على الرغم من عدم وجود عقوبة محددة لفشلك في القيام بهذا الدور. على سبيل المثال، لا يوجد حد على كون المرأة لا ترتدي الحجاب، وﻻ على الاختلاط بين الرجال والنساء، وﻻ على عدم غض البصر… الخ. ولكننا نرى في كثير من الأحيان أن هذه الأعمال تعاقب عليها بعض الدول الإسلامية التي نصبت نفسها “إسلامية” بنفسها. ومعظم الإسلاميين ومؤيديهم يوافقون على هذا النوع من التعديلات للشريعة، ورغم أنها ليست أكثر من تعديلات، إﻻ أنه يجدر بنا أن نفكر فيم إذا كان مثل هذا الأمر سليم شرعًا أو لا.
ولو تتبعنا نفس هذا الخط من المنطق يمكننا أن نتخيل قيام الدولة بمراجعة نفقاتك لمعرفة ما إذا كنت قد بذلت مجهودًا كافيًا لتوفير ما يكفي من المال لأداء فريضة الحج ولسان حالهم هو: “لا نرى أنه من الضروري لك أن تنفق على شبكة Wi-Fi أو تكييف الهواء أو أي نفقات سفر أخرى، فكل هذه الأمور ليست “واجبًا شرعيًا” ومن هنا فعليك تخصيص أموالك للقيام بفريضة الحج”… وهذا شيء وارد جدا.
وتلك هي الخدعة الكبيرة للإسلاميين في رأيي.فالحقيقة هي أنك لكي تُعرّف الحكومة على أنها إسلامية شرعًا، فهذا ﻻ يلزمه سوى القليل جداً، أقل بكثير مما يلمحون ويفترضون.
فهم يخلطون بين مسألة ما إذا كانت الحكومة ذات طابع إسلامي أم لا مع ما إذا كانت إسلامية أو ﻻ وفقًا للتعريف الشرعي، وهذا يسمح لهم بإقالة أي حكومة غير إسلامية إذا كانت غير مثالية، أو إذا كانت تمارس أي ظلم أو فساد. لكن لا يوجد هناك سبب يمنع أي حكومة أن تكون إسلامية أو سيئة في نفس الوقت، إن كنا سنستخدم التعريفات الشرعية، بل أن هذا في الواقع ما كان لدينا تقريبا طوال الوقت. ولكن ما يريدونه هو القدرة على تعديل الشريعة، لإضافة القوانين واللوائح التي تتطابق مع القيم الإسلامية، رغم أنها غير منصوصة في القرآن والسنة إلا كنوع من التوجيه لمساعدة الأفراد على تجنب العقوبة المحتملة في الآخرة.
وهذا كله يلغي الرحمة المتأصلة في كون هذه الأمور قد تركها الشارع بدون أن يضع لها تشريعا، وهي رحمة تتمثل في ترك هذه الأمور للضمير الفردي. كما أنها بطبيعة الحال تستحضر للأذهان مبدأ أن التقوى ﻻ يمكن أن يتم فرضها على الناس، والأهم من ذلك، من وجهة نظري، أنها جعلت مسألة الحكومة الإسلامية محيرة فيم يتعلق بماهيتها، وهذا هو ما أبقى الإسلاميين على الساحة كلاعبين سياسيين حتى في الوقت الذي أصبحوا فيه مفلسين بالكامل من الفهم السياسي أو الأفكار. ففي غياب أي سياسات جوهرية يمكن أن تؤدي إلى مجتمع مزدهر على أرض الواقع، نجدهم يفضلون أن يشغلوا أنفسهم بتشريع ما لم يشرعه الإسلام.